رحمان ستايش ومحمد كاظم

439

رسائل في ولاية الفقيه

العقل والعقلاء في حكمهم بالعمل بالأمارة وجود مثل ذلك ؛ لاتّفاقهم على قبح تفويت الواقع . لأنّا نقول : أولا : يلزم على العقلاء ملاحظة المصالح الظاهريّة بحسب أنظارهم . وهذه لا تلزم عدم الانفكاك عن الواقع وبقاء الحكم الواقعي متّصفا بالمصلحة الفعليّة التي عرّفها الشارع العالم بتمام وجوه المصالح . ويمكن أن تكون تلك المصلحة المظنونة للعقلاء ممّا لا يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع . وثانيا : المصلحة التي يراعيها العقلاء في الأمر بالعمل على الأمارة ، إنّما هي ما تتعلّق بطريق الامتثال ، والتي يلاحظها الشارع في الحكم الشرعي ما تتعلّق بجعل أصل الأحكام . ولا ينافي كونهما فعليّتين ومع ذلك متخالفتين لاختلاف متعلّقهما . والحاصل : أنّه بعد ما فرضنا أنّ الشارع لا دخل له في الطرق الامتثاليّة ولا تصرّف فيها إثباتا ونفيا ، فما المانع من أن تكون أحكامه الواقعيّة فعليّة مشتملة على مصالح في نفسها فعليّة أيضا ؛ غاية الأمر يعذر الفاعل إذا عمل بالطرق المقرّرة العقلائيّة . لا يقال : إن كان العمل بالطرق العقلائيّة ممّا يفوّت به مصلحة الواقع من غير جائز ، فيلزم على الشارع المنع من العمل بها . لأنّا ما ادّعينا أنّ الأمارة العقلائيّة ممّا لا يتدارك بها ما فات من الواقع يقينا ، بل ادّعينا الشكّ في ذلك - فلعلّها جابرة ولعلّها غير جابرة - ومع ذلك الاحتمال تكليفنا العمل بالأمارة عقلا ، حسب ما عرفت . والحكم بفعليّة الحكم الواقعي للأصل وظهور أدلّة الأحكام في تنجيزها فعلا إلى أن يثبت الخلاف . وثالثا : لا مانع من أن يكون في العمل بالأمارة مصلحة جابرة ، وفي العمل بالواقع أيضا مصلحة فعليّة . ولاختلاف الموضوع لا منافاة بينهما . وحينئذ إن عمل المكلّف بالواقع فقد أدرك المصلحة الواقعيّة وإن خالفها أدرك مصلحة الأمارة . ولكن لم يجعل الشارع العمل بالأمارة حكما في مقابل الواقع ؛ لأنّه ليس مرجوعا